لقاء لحود وعون... ضروري !
3-11-2005
التقت المصالح اكثر من مرة بين سيد قصر بعبدا الرئيس اميل لحود وسيد قصر الرابية زعيم "التيار الوطني الحر" العماد ميشال عون. فبعد اغتيال الرئيس السابق للحكومة رفيق الحريري في 14 شباط الماضي والذي اثار الشارع اللبناني بغالبيته ضد الرئاسة الاولى وشاغلها، وضد حليفهما الاقليمي بل راعيهما وموجههما اذا جاز التعبير على هذا النحو اعتبر لحود بعد درس الاوضاع المستجدة وتقويم المرحلة بكل ابعادها المحلية والاقليمية والدولية ان مصلحته تكمن في الانفتاح على "الجنرال" المنفي في فرنسا وفي المبادرة الى تسهيل عودته الى بلاده بعد غياب زهاء 15 سنة. فنفذ هذا الانفتاح وازال المعوقات القانونية التي كانت تعترض العودة فتمت بنجاح كامل. وانطلق في اعتباره هذا من امرين. الاول، معرفته بشخصية عون وطموحاته ومواقفه وتاريخه وبعداواته والتحالفات الامر الذي يجعله عاجزا عن التفاهم مع القيادات اللبنانية الاساسية حتى التي منها تتوافق معه على كثير من السياسات الداخلية والاقليمية. والثاني، حرصه على ضرب وحدة الصف التي جمعت للمرة الاولى منذ سنوات بل منذ عقود مسيحيين ومسلمين وباعداد كبيرة الامر الذي حقق "عجائب" في وقت ظن اللبنانيون ان زمن العجائب قد ولى. وضرب هذه الوحدة كان ضروريا اولا لاستمراره في السلطة وثانيا لتأمين الاستمرار لـ"الخط الوطني" الذي رسمته له سوريا فتقيد به حتى اقصى تفاصيله ، وفي الوقت نفسه لتأمين ظروف استمرارها لاعبا اساسيا بل وحيدا في لبنان.
وقبل الانتخابات النيابية الاخيرة بذل الرئيس لحود جهودا مهمة جدا لابقاء العماد عون بعيدا من الحلفاء الطبيعيين له ابناء حركة 14 آذار واصحابها وذلك انطلاقا ايضا من الامرين المفصلين اعلاه. ونجح في ذلك بمساعدة عاملين اثنين: الاول، طغيان "الأنا" عند زعيم "التيار الوطني الحر" الذي اعتبر نفسه محرر البلاد من "الاحتلال" السوري الذي جاء دم الرئيس الحريري بعد قتله "يشلّحه" هذا المجد او قسما كبيرا منه والذي حدد لنفسه مهمة عليه انجازها بعد التحرير وهي اعادة بناء دولة نظيفة بعد ازالة الفساد المعشش في كل مستوياتها، وهي مهمة لن يكون في وسعه النجاح في انجازها الا من قصر بعبدا اي من موقع الرئاسة الاولى الذي هو "احق به" من الآخرين كل الآخرين. والثاني، الاخطاء الكثيرة التي ارتكبها اركان في حركة 14 آذار، وفي مقدمهم الزعيم الدرزي الابرز وليد جنبلاط، والتي دفعت غالبية الجمهور المسيحي في البلاد الى معسكر "الجنرال" ودفعت "الجنرال" الى صفقات مرحلية في الداخل وعبره مع سوريا بغية تحقيق فوز كبير في الانتخابات.
ومع بدء لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري اعمالها واستمرار الحملات السياسية اللبنانية المتنوعة المطالبة باستقالة الرئيس لحود، ونجاح هذه اللجنة في رفع تقرير عن مهمتها احدث زلزالاً محليا واقليميا ودوليا اعاد الروح المقاتلة الى اصحاب الحملات المذكورة، وجد لحود ان مصلحته تقتضي قبل ان يضيق الخناق عليه بتعزيز التقاء مصالح بينه وبين عون ومع بكركي. فوعد الاول، طبعا عبر الاصدقاء المشتركين المتنوعي الانتماءات السياسية، بانه لن يتخلى عن بعبدا الا له. وعزز عند الثانية (اي بكركي) مخاوف شاغلها البطريرك صفير على موقع الرئاسة الاولى وتاليا على دور المسيحيين في البلاد. ثم انتقل الى تحقيق هدف آخر هو الالتقاء وجها لوجه مع عون بعدما تلاقت المصالح اشهرا طويلة اقتناعا منه بان ذلك يوسّع الصدع بين "التيار الوطني الحر" وكل افرقاء حركة 14 آذار الامر الذي يمكنه من الاستمرار في موقعه. وانطلق في موقفه هذا من فرضية معقولة هي ان عون لن يتخلى عنه الا اذا قرر هؤلاء الافرقاء تأييد انتخابه رئيسا للجمهورية، وهذا امر غير وارد اساسا في حساباتهم كلهم على الاقل حتى الآن. وسعيا الى تحقيق الهدف المذكور نشطت التحضيرات بين قصري بعبدا والرابية وتم الاتفاق على لقاء رسمي بين سيديهما وعلى كل تفاصيل اللقاء.
ولكن في آخر لحظة اي قبل ربع ساعة من موعد اللقاء الغاه "الجنرال" باتصال هاتفي مع الرئيس. ولم يعد ممكنا اخفاء انباء هذا اللقاء بعد الاعداد الاعلامي الكثيف له والذي قام به لحود. ودل ذلك على الاهمية التي كان يعلقها عليه.
لماذا لم يحصل اللقاء؟ وهل انعقاده في المستقبل القريب او البعيد مفيد ام مؤذ؟
اصحاب المخيلة الواسعة من اللبنانيين وهم كثر كادوا أن يجمعوا على ان نصيحة اميركية تلقاها العماد عون من الاميركيين هي التي جعلته يعدل عن اللقاء في اخر لحظة ذلك ان هؤلاء يخوضون معركة ضد الرئيس لحود وحليفه الاقليمي وحلفائه الداخليين ويرفضون ان يزيد عون رصيد كل هؤلاء بعدما قارب الاضمحلال. فضلا عن ان عون يعرف تماما ان اميركا وتحديدا اللبنانيين الاميركيين كان لهم دور بل فضل كبير في انجاحه وفي توفير ظروف النجاح لسياساته وان اي تصرف منفرد قد يمس هذه السياسات سيجعله يخسر دعم هؤلاء او على الاقل الغالبية منهم. والذين يقبلون ظواهر الامور صدّقوا ان "جراحة" بسيطة في وجه عون هي التي عطلت اللقاء. طبعا لا نعرف نحن وكثيرون غيرنا الاسباب الفعلية لالغاء اللقاء او لارجائه، اذ قد يحصل في ظروف اخرى. لكن ما نعرفه ويعرفه كثيرون غيرنا انه ليست للقوى الخارجية او لدول "الوصاية" الجديدة على لبنان، كما يسميها البعض، اي دور في تعطيل اللقاء. فهذا امر داخلي لا تتعاطى به، علما انها من حيث التكتيك السياسي لا ترى ضررا في لقاء عون ولحود ولا حتى ضررا في لقاء عون والسيد حسن نصرالله الامين العام لـ"حزب الله" الذي يعد له الفريقان من زمان وبسرية تامة، مثلما لم تر ضررا في اللقاءات المستجدة بين جنبلاط و"حزب الله" و"امل" ، وبين تيار "المستقبل" والاثنين او احدهما. فاللقاءات التي من هذا النوع ربما تفسح في المجال لحوارات وطنية مجدية تساعد المجتمع الدولي على النجاح في مساعدة لبنان على حل مشكلاته الداخلية والاخرى ذات الابعاد والخلفيات الخارجية. كما انها قد تسقط هالة "القداسة" او صورة "المخلص" عن زعامات تعتقد انها مرسلة من الله لانقاذ البلاد وتطلب من اللبنانيين اعتبار مواقفها منزلة وسياساتها وكلامها وان يكن الغرض الشخصي فيها احيانا واضحا. وبذلك يتساوى جميع القادة والسياسيين ويصبح في الامكان العمل معا للانقاذ الذي سيبقى مستحيلا ما دام بعض اطرافه بشرا والبعض الآخر الهة معصومة من الخطأ او الرغبات والشهوات. انطلاقا من ذلك يمكن اعتبار الذين خافوا من اللقاء، بين لحود وعون وهللوا لانفراطه غير واقعيين. كما يمكن اعتبار المستمرين في العمل لحصوله يعيشون في الاوهام. ذلك ان اللقاء وان نجح وادى الى تحقيق "الجنرال" اهدافه السياسية وطموحاته الشخصية لن يعيد عقارب الساعة الى الوراء سواء بالنسبة الى الرئيس لحود او الى حلفائه الداخليين او حتى الى سوريا حليفة الاثنين.
سركيس نعوم |